فخر الدين الرازي
124
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ) * أي رجحوا الدنيا على الآخرة ، والمعنى : أن ذلك الارتداد وذلك الإقدام على الكفر لأجل أنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان وما عصمهم عن الكفر . قال القاضي : المراد أن الله لا يهديهم إلى الجنة فيقال له هذا ضعيف ، لأن قوله : * ( وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ) * معطوف على قوله : * ( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ) * فوجب أن يكون قوله : * ( وأن الله لا يهدي القوم الكافرين ) * علة وسبباً موجباً لإقدامهم على ذلك الارتداد ، وعدم الهداية يوم القيامة إلى الجنة ليس سبباً لذلك الارتداد ، ولا علة له بل مسبباً عنه ومعلولاً له فبطل هذا التأويل ، ثم أكد بيان أنه تعالى صرفهم عن الإيمان فقال : * ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم ) * قال القاضي : الطبع ليس يمنع من الإيمان ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم لهم ، ولو كانوا عاجزين عن الإيمان به لما استحقوا الذم بتركه . والثاني : أنه تعالى أشرك بين السمع والبصر وبين القلب في هذا الطبع ومعلوم من حال السمع والبصر أن مع فقدهما قد يصح أن يكون مؤمناً فضلاً عن طبع يلحقهما في القلب . والثالث : وصفهم بالغفلة . ومن منع من الشيء لا يوصف بأنه غافل عنه ، فثبت أن المراد بهذا الطبع السمة والعلامة التي يخلقها في القلب ، وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الطبع والختم ، وأقول هذه الكلمات مع التقريرات الكثيرة ، ومع الجوابات القوية مذكورة في أول سورة البقرة وفي سائر الآيات فلا فائدة في الإعادة . ثم قال تعالى : * ( وأولئك هم الغافلون ) * قال ابن عباس : أي عما يراد بهم في الآخرة . ثم قال : * ( لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون ) * واعلم أن الموجب لهذا الخسران هو أن الله تعالى وصفهم في الآيات المتقدمة بصفات ستة . الصفة الأولى : أنهم استوجبوا غضب الله . والصفة الثانية : أنهم استحقوا العذاب الأليم . والصفة الثالثة : أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة . والصفة الرابعة : أنه تعالى حرمهم من الهداية . والصفة الخامسة : أنه تعالى طبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم . والصفة السادسة : أنه جعلهم من الغافلين عما يراد بهم من العذاب الشديد يوم القيامة فلا جرم لا يسعون في دفعها ، فثبت أنه حصل في حقهم هذه الصفات الستة التي كل واحد منها من أعظم الأحوال المانعة عن الفوز بالخيرات والسعادات ، ومعلوم أنه تعالى إنما أدخل الإنسان الدنيا